أحمد بن علي القلقشندي

93

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وصاحب قسطنطينيّة قد اجتمعا في نوبة دمياط فغلبا وهزما وكسرا ، أراد أن يظهر قوّته المستقلَّة بمفردها ، وعزمته القائمة بمجرّدها ، فعمر أسطولا استوعب فيه ماله وزمانه : فإنه إلى الآن منذ خمس سنين يكثّر عدّته ، وينتخب عدّته ، ويجتلب مقاتلته إلى أن وصل منها في السنة الخالية إلى إسكندريّة أمر رائع ، وخطب هائل ، ما أثقل ظهر البحر مثل حمله ، ولا ملأ صدره مثل خيله ورجله ؛ ما هو إقليم بل أقاليم نقله ، وجيش ما احتفل ملك قطَّ بنظيره لولا أنّ اللَّه خذله ؛ ولو ذهبنا نصف ما ذهب ، فيه من ذهب ، وما أخذ منه من سلاح وخيل وعدد ومجانيق ، ومن أسر منه من خيّالة كبار ، ومقدّمين ذوي أقدار ، وملوك يقاطعون بالجمل التي لها مقدار ، وكيف أخذه وهو في العدد الأكثر بالعدد الأقلّ من رجالنا ، وكيف نصر اللَّه عليه مع الأصعب من قتاله بالأسهل من قتالنا ، لعلم أنّ عناية اللَّه بالإسلام تغنيه عن السلاح ، وكفاية اللَّه لهذا الدّين تكفيه مؤونة الكفاح ؛ ومن هؤلاء الجنويّين الذين يسرّبون الجيوش - البنادقة - البياشنة ( 1 ) - الجنوية كلّ هؤلاء تارة لا تطاق ضراوة ضرّهم ، ولا تطفأ شرارة شرّهم ، وتارة يجهّزون سفّارا يحتكمون على الإسلام في الأموال المجلوبة ، وتقصر عنهم يد الأحكام المرهوبة ؛ وما منهم الآن إلا من يجلب إلى بلدنا آلة قتاله وجهاده ، ويتقرّب إليها بإهداء طرائف أعماله وبلاده ؛ وكلَّهم قد قرّرت معه المواصفة ، وانتظمت معه المسالمة ، على ما نريد ويكرهون ، ونؤثر ولا يؤثرون ( 2 )

--> ( 1 ) ويسميهم أيضا « البيازنة » ، نسبة إلى « بيزة » في إيطاليا . ( 2 ) كان للجنويّة والبيازنة والبنادقة سياسة ذات وجهين متناقضين تجاه مصر والدولة الأيوبية : فهم من جهة يساعدون الصليبيين ضد المصريين وغيرهم من مسلمي الشرق الأدنى باعتبارهم مسيحيين مثلهم ، فضلا عن الامتيازات العديدة التي يحصلون عليها من وراء نقل المغامرين الغربيين بسفنهم وأساطيلهم . أما الوجه الثاني فيستلزم منهم الحرص قدر الاستطاعة على العلاقات الطيبة مع مصر حتى لا تضار مصالحهم التجارية والامتيازات والتسهيلات التي كانوا يحصلون عليها منذ وقت بعيد . وكانت هذه السياسة المزدوجة مصدر متاعب لمؤسس الأسرة الأيوبية في وقت كان يستعد فيه لتوحيد القوى في المنطقة توطئة لتوجيه ضربة حاسمة إلى الصليبيين في الشام . ولعل إحساس أولئك التجار بأن الامتيازات التي كانوا قد حصلوا عليها في عهد الفواطم باتت مهددة بعد تغيّر نظام الحكم في مصر ، دفعهم إلى دعم الحملات الصليبية . وامتدادا لتلك السياسة نجد أن جنوة توافق في أواسط القرن السابع الهجري على تأجير عدد من السفن إلى الملك الفرنسي لويس التاسع ليتسنى له نقل الجند والعتاد عبر البحر إلى مصر حتى يضمن لحملته الصليبية النجاح ، وعقدت معه اتفاقية بهذا الشأن . وقد استصدر الملك الفرنسي في أكتوبر 1246 م مرسوما يتعلق باستئجار ست عشرة سفينة جنوية ما بين صغيرة وكبيرة من أجل الحملة على مصر . على أن المحرّك الأساسي لأولئك الجنوية والبيازنة كان المصلحة التجارية ؛ لذلك نراهم يتخلَّون عن لويس التاسع ويحاولون الفرار بعد أن علموا بوقوعه في الأسر . وقد أشار جوانفيل إلى ذلك في كتابه عن سيرة القديس لويس وحملاته على مصر والشام . ( القلقشندي وكتابه صبح الأعشى : 172 - 174 - ومذكرات جوانفيل : القديس لويس - حياته وحملاته . ص : 182 ) .